الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
418
تفسير روح البيان
على الباطل قالُوا في جواب هارون لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ لن نزال على العجل وعبادته عاكِفِينَ مقيمين قال الراغب العكوف الإقبال على الشيء وملازمته على سبيل التعظيم قال في الكبير رحمته تعالى خلصتهم من آفات فرعون ثم إنهم لجهلهم قابلوه بالتقليد فقالوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى اى لا نقبل حجتك وانما نقبل قول موسى وقال في الإرشاد وجعلوا رجوعه عليه السلام إليهم غاية لعكوفهم على عبادة العجل لكن لا على طريق الوعد بتركها عند رجوعه بل بطريق التعلل والتسويف وقد دسوا تحت ذلك أنه عليه السلام لا يرجع بشئ مبين تعويلا على مقابلة السامري - روى - انهم لما قالوه اعتزلهم هارون في اثنى عشر ألفا وهم الذين لم يعبدوا العجل فلما رجع موسى وسمع الصياح وكانوا يرقصون حول العجل قال للسبعين الذين كانوا معه هذا صوت الفتنة فقال لهم ما قال وسمع منهم ما قالوا وفي التأويلات النجمية لم يسمعوا قول هارون لأنهم عن السمع الحقيقي لمعزولون فلهذا قالُوا لَنْ نَبْرَحَ إلخ وفيه إشارة إلى أن المريد إذا استسعد بخدمة شيخ كامل وأصل وصحبه بصدق الإرادة ممتثلا لأوامره ونواهيه قابلا لتصرفات الشيخ في إرشاده يصير بنور ولايته سميعا بصيرا يسمع ويرى من الاسرار والمعاني بنور ولاية الشيخ ما لم يكن يسمع ويرى ثم إن ابتلى بمفارقة صحبة الشيخ قبل أوانه يزول عنه نور الولاية أو يحتجب بحجاب ما ويبقى أصم وأعمى كما كان حتى يرجع إلى صحبة الشيخ ويتنور بنور ولايته قالَ استئناف بيانى كأنه قيل فما قال لهارون حين سمع جوابهم له وهل رضى بسكوته بعد ما شاهد منهم ما شاهد فقيل قال له وهو مغتاظ وقد أخذ بلحيته ورأسه وكان هارون طويل الشعر يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا أخطأوا طريق عبودية اللّه بعبادة العجل وبلغوا من المكابرة إلى أن شافهوك بالمقالة الشنعاء أَلَّا تَتَّبِعَنِ لا مزيدة وهو مفعول ثان لمنع وهو عامل في إذ اى أي شئ منعك حين رؤيتك لضلالهم من أن تتبعني في الغضب للّه والمقاتلة مع من كفر به وان تأتى عقبى وتلحقني وتخبرني لأرجع إليهم لئلا يقعوا في هلاك هذه الفتنة أو غير مزيدة على أن منعك مجاز عن دعاك . والمعنى ما دعاك إلى ترك اتباعى وعدمه في شدة الغضب للّه ولدينه ونظير لا هذه قوله ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ في الوجهين قال في التأويلات النجمية فيه إشارة إلى أن موسى لما كان بالميقات مستغرقا في بحر شواهد الحق ما كان يرى غير الحق ولم يكن محتجبا بحجب الوسائط حتى أن اللّه تعالى ابتلاه بالوسائط بقوله فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ أضاف الفتنة إلى نفسه وأحال الإضلال إلى السامري اختبارا ليعلم منه انه هل يرى غير اللّه مع اللّه في أفعاله الخير والشر فما التفت إلى الوسائط وما رأى الفعل في مقام الحقيقة على بساط القربة الا منه وقال في جوابه إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ أضاف الفتنة والإضلال اليه تعالى مراعيا حق الحقيقة على قدم الشريعة إلى نور الحقيقة قال يا هارون أَ فَعَصَيْتَ أَمْرِي اى بالصلابة في الدين والمحاماة عليه كما عصى هؤلاء القوم امرى وامر اللّه فان قوله عليه السلام اخْلُفْنِي متضمن للامر بهما حتما فان الخلافة لا تتحقق الا بمباشرة الخليفة ما كان يباشره المستخلف لو كان حاضرا والهمزة للانكار